جيرار جهامي ، سميح دغيم

3294

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

على العدم . ينبغي أن يسبقها انبثاق ثقافة تنويرية حديثة كما حصل في الغرب ، فلو لا ثقافة عصر التنوير وفكره وفلسفته لما تجسّدت العلمنة في فرنسا واقعا حيّا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين . فكيف يمكن للعلمانية إذن أن تنهض في المجتمعات العربية أو الإسلامية ما دامت الثقافة التقليدية هي المهيمنة على القطاعات الأوسع من الشعب ؟ بل وعلى قسم كبير من المثقّفين الذين يرفضون مراجعة يقينياتهم المذهبية والطائفية . يضاف إلى ذلك أن ثقافة العلمنة ينبغي أن تنشأ من الداخل ومن صراع الداخل مع الداخل وليس عن طريق الاستيراد السهل والجاهز كما فعل أتاتورك . هذا الجهد الذي تقوم به الذات على ذاتها من أجل تغيير ذاتها هو الضمانة الأولى لكل علمنة ولكل حداثة . ( أركون ، فيصل التفرقة وفصل المقال ، 194 ، 6 ) . - إن العلمانية - بمعنى فصل شؤون الدولة عن الدين - هي بدورها ناتج مباشر لاستقلالية المجتمع المدني . إذ أن مجالات شاملة من الحياة الاجتماعية قد أصبحت مستقلّة بعضها عن بعض . نسبيّا وظاهريّا على الأقل - وبالتالي قابلة لتحليلات خاصة لكل منها ، فترك إشباع الحاجة الميتافيزيقية للضمائر الفردية ، وفقد الدين وضعه كمؤسّسة سلطوية تتمتّع بقوة مادية تفرض بها نظرها . أودّ هنا لفت النظر إلى ما سبق قولي من أن العلمانية ليست « ناتجا خاصّا » للمجتمع المسيحي ، جاء إجابة عن خصوصيات المسيحية كدين ، كما يتصوّره الرأي السائد عندنا ، وطبقا لهذا الرأي جاءت العلمانية في أوروبا جوابا عن « شراسة » السلطوية الكنيسية ( وهي مؤسّسة غير موجودة في الإسلام على الأقل في شكل منظّم متماثل ) ؛ أو جاءت نتيجة نزاع بين الدولة الوطنية والكنيسة التي اتّسمت بالعبد الأممي . فالواقع ينقض هذه النظرة التي لا أساس لها في التاريخ . إذ إن الإصلاح الديني قد أبدع بالتحديد كنائس « وطنية » ( لوثرية وإنجليزية . . . ألخ ) . إلّا أن هذا الدمج بين الدولة والكنيسة لم يؤدّ إلى نظام ثيوقراطي ، بل لازمته العلمانية . ولنضف أن العلمانية لم تلغ الإيمان بل لعلّها قوّته وحرّرته من الشكليات وعنصر الفرض ، وصفّته من الأبعاد الخرافية التي صحبته في الماضي . فلا يرى المؤمن المسيحي الأوروبي المعاصر تناقضا بين إيمانه وقبوله نظرية داروين عن أصول الإنسان . ( سمير أمين ، الأمة العربية والقومية ، 239 ، 15 ) . - العلمانية - أو النظرة الحديثة إلى العالم - كانت تعني ، في كلمة أخرى ، أن العلم حلّ محلّ الدين في تفسير الكون ، التاريخ ، المجتمع ، والإنسان ؛ أنه أصبح يمثّل السلطة الفكرية الجديدة المسؤولة عن تحديد ، صياغة ، توجيه ، رعاية الحياة الفكرية والرؤيا الثقافية إلى العالم . إنها كانت تعني رجوع الإنسان إلى الدراسة الأمبيريقية في تفسير موقعه من الكون والتاريخ بدلا من التفاسير الميتافيزيقية أو الدينية ، واعتماده على العقل الإنساني المستقلّ بدلا من العقل اللاهوتي الغيبي كالمرجع الأساسي . المفاهيم التي تنطوي على حقائق تصاعدية تنطلق منها